ابن قيم الجوزية
383
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والعصمة النافعة في هذا الباب : أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه . وبما وصفه به رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل . بل تثبت له الأسماء والصفات . وتنفي عنه مشابهة المخلوقات . فيكون إثباتك منزها عن التشبيه . ونفيك منزها عن التعطيل . فمن نفى حقيقة « الاستواء » فهو معطل . ومن شبهه باستواء المخلوق على المخلوق فهو ممثل . ومن قال : استواء ليس كمثله شيء . فهو الموحّد المنزه . وهكذا الكلام في السمع ، والبصر ، والحياة ، والإرادة ، والقدرة ، واليد ، والوجه ، والرضى ، والغضب ، والنزول والضحك ، وسائر ما وصف اللّه به نفسه . والمنحرفون في هذا الباب قد أشار الشيخ إليهم بقوله : « لا يتحمل البحث عنها تعسفا » أي لا يتكلف التعسف عن البحث عن كيفياتها . و « التعسف » سلوك غير الطريق . يقال : ركب فلان التعاسيف في سيره . إذا كان يسير يمينا وشمالا ، جائرا عن الطريق . « ولا يتكلّف لها تأويلا » أراد بالتأويل ههنا : التأويل الاصطلاحي . وهو صرف اللفظ عن ظاهره وعن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح . وقد حكى غير واحد من العلماء : إجماع السلف على تركه . وممن حكاه البغوي ، وأبو المعالي الجويني في « رسالته النظامية » ، بخلاف ما سلكه في « شامله » و « إرشاده » وممن حكاه : سعد بن علي الزنجاني . وقبل هؤلاء خلائق من العلماء لا يحصيهم إلا اللّه . « ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلا » أي لا يمثلها بصفات المخلوقين . وفي قوله : « لا يتجاوز ظاهرها » إشارة لطيفة . وهي أن ظواهرها لا تقتضي التمثيل ، كما تظنه المعطلة النفاة ، وأن التمثيل تجاوز لظواهرها إلى ما لا تقتضيه ، كما أن تأويلها تكلف ، وحمل لها على ما لا تقتضيه . فهي لا تقتضي ظواهرها تمثيلا ، ولا تحتمل تأويلا . بل إجراء على ظواهرها بلا تأويل ولا تمثيل . فهذه طريقة السالكين بها سواء السبيل . وأما قوله : « ولا يدعي عليها إدراكا » أي لا يدعي عليها استدراكا ولا فهما ، ولا معنى غير فهم العامة ، كما يدعيه أرباب الكلام الباطل ، المذموم بإجماع السلف . وقوله : « ولا توهما » أي لا يعدل عن ظواهرها إلى التوهم . و « التوهّم » نوعان : توهم كيفية . لا تدل عليه ظواهرها ، أو توهم معنى غير ما تقتضيه ظواهرها . وكلاهما توهم باطل . وهما توهم تشبيه وتمثيل ، أو تحريف وتعطيل . وهذا الكلام من شيخ الإسلام يبين مرتبته من السنة ، ومقداره في العلم ، وأنه بريء مما رماه به أعداؤه الجهمية من التشبيه والتمثيل ، على عادتهم في رمي أهل الحديث والسنة بذلك ، كرمي الرافضة لهم بأنهم نواصب ، والمعتزلة بأنهم نوابت حشوية . وذلك ميراث من أعداء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . في رميه ورمي أصحابه رضي اللّه عنهم بأنهم صبأة . قد ابتدعوا دينا محدثا . وميراث لأهل الحديث والسنة من نبيهم صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، رضوان اللّه عليهم أجمعين . بتلقيب أهل الباطل لهم بالألقاب المذمومة . وقدس اللّه روح الشافعي . حيث يقول ، وقد نسب إلى الرفض :